جولولي

اشترك في خدمة الاشعارات لمتابعة آخر الاخبار المحلية و العالمية فور وقوعها.

زينات صدقي.. أشهر "عانس" في السينما المصرية

الاثنين 28 سبتمبر 2020 | 08:43 صباحاً
أشرف بيدس
1894
زينات صدقي

"هافضل طول عمري عايشة لوحدي.. وحيد ولهان.. شريد حيران.. ابكي وأنوح علي هوايا واضحي قلبي في يوم هنايا.. يعني هفضل طول عمري من غير جواز.. ده حتي مش كويس علي عقلي الباطن".

بمقاييس الموهبة, هي حالة متفردة واستثنائية ليست علي مستوي الابداع التمثيلي, ولكن الحضور الذي لم يشهد له مثيل في العالم.. وليس هذا من قبيل المبالغة, فهي فنانة استثنائية.. في فيلم "أيامنا الحلوة" يتم اعادة مشهد يجمعها مع عبد الحليم حافظ 17 مرة, وفي كل مرة تقول حوار مختلف, وهو ما اصاب جميع من في العمل بالذهول علي قدرتها في التجويد المستمر الذي لا يفقدها حماسها, بل في كل مرة يعاد تصوير المشهد تقدم جديدا دون أن يصيبها الملل أو التذمر.

كأنها مكبلة فى قيد حديدى، ما إن تنفك اواصره حتى تنطلق كالريح، تعصف بكل ما يقف أمامها، كلمات محسوبة بعناية شديدة، وجمل مرتبة رغم جنوحها، لكنها فى الوقت ذاته لا تخرج شاردة، تصوب مدافعها وانفعالاتها على الهدف دون أن تخطئ التصويب، فمن أين يأتى كل هذا البركان الهادر؟ قد تكون الموهبة والتلقائية والخبرة والكاريزما والثقافة والمعايشة والاندماج عوامل مساعدة، لكن القوة الحقيقية تكمن فى وعيها المتقد المتوهج الذى لا يرتضى انصاف الحلول أو التمثيل المشرف، فأما أن تحصل على كل حقها فى التعبير حتى ترتضى أو تنسحب فى هدوء، فجاءت كل الكادرات تؤكد بأن زينات صدقى حالة فريدة لم تتكرر، ولم نر لها شبيها.

حاولنا أن نستدعى الكلمات الفرحة البشوشة لصانعة الضحك القديرة زينات صدقى، لكن الكلمات استعصت على الخروج؛ رغم أن المناسبة تحرض على البهجة، وكيف لا؟ وهى من صالت وجالت ورسمت على شفاة الكبار والصغار السعادة، ربما تكون النهايات الحزينة هى ما تفرض على الحروف اتجاهات العبارات.

نقف كى نتأمل مشهد النهاية حيث الوحدة والمرض وانزواء الأضواء، وبيع "عفش" البيت حتى تستطيع أن تأكل، وعندما تتذكرها الدولة فى تكريم، لا تجد فستانا يليق بالمناسبة، فتضطر لتدبير جيب وبلوزة بصعوبة بالغة، ألم أقل لكم إن الكلمات تستعصى، ولكننا سنحاول أن ندخل عالم زينات صدقى.

رغم أنها تتسم بملامح "ناشفة" تكشف عن قدر كبير من الجدية والصرامة، فإن كل كادراتها السينمائية تفوح منها خفة الظل والفكاهة والطبيعية المفرطة التى يصعب فصلها عن شخصيتها بأى حال من الأحوال!! فما أن تظهر حتى تستحوذ على العيون والآذان والقلوب، وتطلق العنان للسانها لينطلق دون توقف فى عبارات مترابطة مرحة ومتلاحقة لا يستطيع أحد إيقافها، تقوم بتقطيع الجمل لتأخد نفسها وتبلع ريقها، وتواصل وتواصل.

ضمت كادراتها العديد من الفنانات الكبيرات أمثال فاتن حمامة وشادية ومديحة يسرى وهند رستم وهى أسماء كفيلة بتوجيه الكاميرا كيفما يريدون بما يملكونه من كاريزما وموهبة، لكن القديرة "زينات صدقي" كانت تحتكر نصيب «الفرجة» الأكبر، ومن النادر أن يلحظ المتفرج سقوط مشهد منها، فهى تولى اهتماما بالغا بكل مشاهدها وحواراتها، ولا أحد يستطيع أن يزعم أن تلك الحوارات كانت مكتوبة على الورق، إلا إذا كان الدور كتب خصيصا لها، وفى تلك الحالة كانت إضافاتها شيئا لا غنى عنه، على مدار تاريخها الطويل ومن خلال مئات المشاهد لم نر نجما مهما كان اسمه او نجمة تحلقت حولها الجماهير استطاعت أن تخفت من بريقها وان تجعل من وقوفها بجوارها كائنا صامتا ساكنا لا قيمة له، فحضورها طاغ حتى فى احلك المواقف واتعسها، أما إذا كانت المناسبة تستدعى الضحك فحدث ولا حرج فلا يستطيع احد ايقافها إلا المخرج عندما يطلق كلمته لانتهاء المشهد، ونزعم انها كانت تواصل دون انقطاع.

فى فيلم «انى راحلة» لعز الدين ذوالفقار ويوسف السباعى، وهو فيلم شديد الرومانسية والميلودراما، نرى "زينات" تجول وتصول وتضع البسمة بايفيهات محسوبة بعناية وعبارات شديدة الخصوصية، وتضفى على الكآبة جواً من المرح، فهى فنانة لا تعرف من اسماء أعمالها، بل يكفى ترديد جملة لها فى أحد أفلامها، أكسبها عملها بالمسرح الحضور والثقة فى قدراتها الابداعية دون اسفاف، تربت فى مسارح تحترم الجمهور وتقدس الفن، هى من القلائل الذين يرفعون حرارة الإبداع عند الآخرين فكونت ثنائيات خالدة مع عمالقة من أمثال إسماعيل يس وعبد السلام النابلسى وعبد الفتاح القصرى، ولم يستطع أحد من هؤلاء الفطريين العظام من الإطاحة بها بل كانوا يصعدون معها إلى ذروة التألق، ربما تكون الكوميديانة الوحيدة فى تاريخ السينما التى استطاعت أن تنتصر على الرجال بالضربة الكوميدية القاضية.

زينات صدقي

رغم أن بداياتها بالفن كانت كمطربة وراقصة لكنها سرعان ما انضمت إلى فرقة نجيب الريحانى، ثم إلى السينما لتشارك فى أول عمل لها عام 1937 «وراء الستار» للمخرج كمال سليم وتتوالى الأعمال لتصل إلى أكثر من 200 فيلم، من أشهرها (الأنسة حنفى، ابن حميدو، حلاق السيدات، شارع الحب، أيامنا الحلوة، أربع بنات وضابط، بين ايديك، لسانك حصانك، العتبة الخضراء، اسماعيل يس فى مستشفى المجانين، الكمسريات الفاتنات ، الستات ميعرفوش يكدبوا، دهب، القلب له أحكام)، أما آخر أفلامها فكان «بنت اسمها محمود» عام 1975.

اشتهرت زينات صدقى بتقديم دور "الخادمة" فى أغلب أعمالها، ورغم أن كثيرات قدمن هذا الدور، لكن مذاق "زينات" كان مختلفا ، فهى ليست خادمة تضع فنجان القهوة أمام خادمها وتمضى فى سلام، بل كانت تطلق عبارة هنا وجملة هناك تدغدغ بها مشاعر الجماهير، وكثيرا ما كانت تتدخل فيما لا يعنيها وتفرض آراءها، لقد استطاعت أن ترسى مفاهيم جديدة للكوميديانة بتوليفة خاصة وأداء مختلف، ورغم أنها صاحبة مدرسة راقية فى فن الارتجال، لم يجرأ أحد على تقليدها، لأنها منطقة ملغومة لا يمكن الاقتراب منها.

يمكن حصر أدوار زينات صدقى فى دورين لا ثالث لهما إما الخادمة سليطة اللسان، أو امرأة فاتها قطار الزواج وتبحث عن عريس، ورغم ذلك لم تسجن نفسها فى نمط أدائى واحد وظلت تجود وتبدع على مدار تاريخها الفنى، تضيف اكسسوارات للشخصية مثل قبعة الكتاكيت أو الفاكهة أو أى شيء ترى أنه يضيف للشخصية، وتبذل مجهودا مضاعفا للتعبير عن نفسها، فالفن معركة من الاجادة والتميز تحتاج إلى التركيز الشديد للخروج بنصيب الأسد ودون إن تقع فى اثر الآخرين.

استطاعت زينات صدقى أن تكسر احتكار الرجل للضحك وملأت الأجواء بهجة، لكن حالها كحال صناع الضحك فى أوطاننا يظلون يبعثون الأمل فى نفوس الآخرين ويرسمون التفاؤل على وجوههم ، بينما يتجرعون الوحدة والشح والانزواء، ويكون المشهد الأخير من حياتهم مثيراً للشفقة والحزن وأحيانا الحسرة، لكننا نتذكرهم بكل الحب والامتنان، لما قدموه من إخلاص وتضحية، فهؤلاء لم يشغل بالهم سوى الفن، وعندما رحلوا لم يتركوا غير فنهم فقط، ومنعهم كبرياؤهم من تسول العمل أو طلب مساعدة للعلاج؛ وهى حقوق مشروعة لا جدال عليها، لكنها عظمة الكبار فى نكران أنفسهم حتى وهم فى أشد حالات الحاجة، وهى قيم اندثرت بفقدانهم، وبقيت أعمالهم تعلن التحدى لكل الأجيال القادمة وتصرخ فى وجوه المزايدين من يستطيع إن يصنع تاريخ ومشاهد كتلك التى ترامت على شريط السينما، ومن يملك كل هذا التوهج الذى ظل عشرات السنين لم يخبُ، حتى عندما انتشر الانترنت، لم يجد مريديه غير مشاهدهم العبقرية ليتبادلوها من موقع لآخر.