جولولي

اشترك في خدمة الاشعارات لمتابعة آخر الاخبار المحلية و العالمية فور وقوعها.

أنسي أبو سيف المكرم في مهرجان الجونة السينمائي

الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 | 10:25 صباحاً
اشرف بيدس
302
انسي ابو سيف

هو واحد من تلاميذ شادي عبد السلام.. وهي شهادة بالنبوغ والتفرد والاتقان في أفضل أشكالها, ودليل علي الإلمام بالتفاصيل الصغيرة والأسرار الكبيرة, الفن لم يكن بالنسبة له صنعة أو وظيفة يقتات منها, لكنها الهواية المشبعة بالشغف التي يعيش لها ويعيش من أجلها.. لم يسعقه الوقت لاكتساب الخبرات قبل أول تجاربه العملية, من معهد السينما إلي بلاتوه السينما ليباشر العمل في احتكاك صعب وامتحان قاس من خلال فيلم "يوميات نائب في الأرياف" 1969 الذي تم تصوير في ديكورات داخلية إلا فيما ندر من مشاهد خارجية, فكانت أول بصمة علي الطريق اثارت انتباه الجميع, محاولا أن يثبت قدراته الواعدة من خلال ديكورات المحكمة عندما اقترح توفيق صالح أن يقوم بوضع كفتي الميزان في اتجاه صاعد وآخر هابط كدلالة بصرية علي غياب العدل, فقام بتصميم محكمة ضيقة دليلا علي أن العقول ثابتة ولا مكان للمدافعين عن المظلومين, وإمعانا في تأكيد المعني صمم القفص بجانب الحاجب والقاضي ليترك علامة استفهام من هو المتهم, هل الجالس داخله, أم الواقف خارجه, وبالفعل يتنبه الجميع لهذا الواعد.. إنه أنسي أبو سيف مهندس الديكور النابغ.

انسي ابو سيف

ربما تكون أعمال أنسي أبو سيف ليست كثيرة مقارنة بمسيرته التي امتدت إلي أكثر من أربعين عامًا.. لكنها بلاشك متفردة وتحمل ملامح خاصة, كما أنها تعد سجل مشرف يفتخر به أي فنان, لم يكن أنسي أبو سيف يسعي إلي الكم بقدر حرصه علي الكيف الذي كان يتطلب الوقت والدقة والتأني في إنجاز مهامه بالصورة التي ينبغي أن يكون عليها, وهو أمر لا يقبل التنازل عنه, ربما هذا ما يفسر حالات الصمت والسكون في الفترات التي تفصل بين عمل وآخر, فهو لا يقبل علي الأعمال التي يري أنها لم تقدم له أي جديد أو تستفزه.. كانت الناس دائما تمثل خلفية لكل عمل يقدمه, وأن النجاح والاخفاق معياران يقاسان بالجهد المبذول.

انسي ابو سيف

الحارة في أعمال أنسي أبو سيف ليست أكليشهًا طبعة واحدة مكررة, فمن يدقق النظر في (ليه يا بنفسج- الكيت كات- إبراهيم الأبيض) يكتشف الاختلاف الذي لا يفسد روحها بل يؤكده في كل واحدة علي حدة, ربما تكون بعض التفاصيل أو خصال سكانها, وايقاع التعامل, واللعب علي الاستثناءات وتكبيرها أو تصغيرها, رغم أنها جميعا تمثل ثلاث حارات مصرية, ففي الأولي كتب له مخرج العمل داود عبد السيد اهداء علي التتر باعتباره مساهمًا في بناء حارة شعبية نموذجية في غضون 5 أسابيع في استوديو جلال.

انسي ابو سيف

وفي الأخيرة سكنها في حضن الجبل حتي يكسر التشابه مستغلا جغرافية المكان في تقديم شكل مغاير يفتت الملل والاعتيادية, فمهمته الأساسية والتي نجح في تحقيقها أن يجعل الجماهير تصدق الخيال, وتحويل الورق المكتوب إلي واقع ملء بالتفاصيل الافتراضية التي تجسد الحقيقة بصور صادقة وليست مثالية, وأن يكون لها بعد فني ورمزي, مثلا, في فيلم (إبراهيم الأبيض) جاء تصميم بيت عبد الملك زرزور من فوق تلة حتي يبدو مهيمنا علي هذا العالم السفلي وهو يظهر في أول مشاهده ممسكا بندقيته صارخا في الجميع :"حد ليه شوق لحاجة", انهم ثلاث حارات متشابهات مختلفات.

وفي (وداعا بونابرت) كانت هناك حارة رابعة من خلال العمارة الإسلامية, وكان تحديا انجز واحتفي بقدرته الفائقة علي استدعاء التاريخ ومن دون تزييف أو مبالغة, وغمره بالحرفة العالية والحس الفني العميق.

انسي ابو سيف

لا يمكننا استعراض أعمال أنسي أبو سيف, فالأمر يحتاج إلي مساحات واسعة ومضاعفة, ولكن المرور السريع غير المتعجل قد يفي بالأمر (عيون لا تنام) ورشة ومسكن في مساحة محدودة, (الحب في الزنزانة- ليلة القبض علي فاطمة- اخر الرجال المحترمين- أحلام هند وكاميليا- سرقات صيفية- طالع النخل – سارق الفرح- الهلفوت- عودة مواطن- اسكندرية كمان وكمان- رسائل البحر- أرض الخوف- وقدرات غير عادية- شحاتين ونبلاء- يوم حلو ويوم مر-الحرافيش- رسالة إلي الوالي- الكنز- المسافر- الجماعة).

فقط نحاول أن نسترجع مشاهد هذه الأعمال ومخرجيها وممثليها وأي الطبقات الاجتماعية التي عبرت عنها, وفي أي الحقب التاريخية, سنكتشف لماذا تم اللجوء إلي المبدع أنسي أبو سيف الذي عشق مصر بكل فئاتها وطبقاتها وعاش مع كل سكانها, وعرف كواليس مناطقها الخافية عن العيون, ونجح في تصديرها والكشف عن جمالياتها وخصوصيتها.. ان أنسي أبو سيف مازال يعمل من باب العشق الذي يكسبه أسرار الحرفة دون الاخرين.

انسي ابو سيف